فصل: ومن باب بيع الطعام قبل أن يستوفى:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب بيع الطعام قبل أن يستوفى:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه».
قال الشيخ أجمع أهل العلم على أن الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض.
واختلفوا فيما عداه من الأشياء فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما عدا الطعام بمنزلة الطعام إلاّ الدور والأرضون فإن بيعها قبل قبضها جائز.
وقال الشافعي ومحمد بن الحسن الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في هذا سواء لا يجوز بيع شيء منها حتى تقبض وهو قول ابن عباس.
وقال مالك بن أنس ما عدا المأكول والمشروب جائز أن يباع قبل أن يقبض، وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يجوز بيع كل منها ما خلا المكيل والموزون وروي ذلك عن ابن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو عَوانة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشترى أحدكم طعاما فلا يبعه حتى يقبضه»، قال: وقال ابن عباس أحسب كل شيء مثل الطعام.
قال الشيخ يشبه أن يكون ابن عباس إنما قاس ما عدا الطعام على الطعام بعلة أنه عين مبيعه لم يقبض أو لأنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، والشيء المبيع ضمانه قبل القبض على البائع فلم يجز للمشتري ربحه.
واحتج بعض من ذهب إلى جواز بين ما عدا الطعام قبل أن يقبض بخبر ابن عمر أنهم كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير فيأخذون الدراهم وبالدراهم ويأخذون الدنانير فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع التقابض قبل التفرق قالوا وهذا بيع الثمن الذي وقع به العقد قبل قبضه فدل أن النهي مقصور على الطعام وحده وقالوا إن الملك ينتقل بنفس العقد بدليل أن المبيع لو كان عبدًا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره.
قال الشيخ وقد يقال على الفرق بين الدراهم والدنانير إذا كانت أثمانًا وبين غيرها أن معنى النهي أن تقصد بالتصرف في السلعة الربح وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن ومقتضي الدراهم من الدنانير لا يقصد به الربح إنما يريد به الاقتضاء والنقود مخالفة لغيرها من الأشياء لأنها أثمان وبعضها ينوب عن بعض وللحاكم أن يحكم على من أتلف على إنسان مالًا بأيهما شاء فكانا كالنوع الواحد من هذا المعنى.
وأما العتق فانه إتلاف وإتلاف المشتري عين المبيع يقوم مقام القبض.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: «كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، يَعني جزافًا».
قال الشيخ: القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في أنفسها وحسب اختلاف عادات الناس فيها فمنها ما يكون بأن يوضع المبيع في يد صاحبه ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، ومنها ما يكون بالنقل من موضعه ومنها ما يكون بأن يكتال وذلك فيما بيع من المكيل كيلًا، فأما ما يباع منه جزافا صبرة مصمومة على الأرض فالقبض فيه أن ينقل ويحول من مكانه. فإن ابتاع طعاما كيلًا ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشتري ثانيا، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري».
وممن قال أنه لا يجوز بيعه بالكيل الأول حتى يكال ثانيا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو مذهب الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي، وقال مالك إذا باعه نسيئة فهو المكروه فأما إذا باعه نقدًا فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول، وروي عن عطاء أنه أجاز بيعه نساء كان أو نقدًا.
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حَدَّثنا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله»، زاد أبو بكر قلت لابن عباس لم قال ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجى.
قال الشيخ قوله والطعام مُرجى أي مؤجل وكل شيء أخرته فقد أرجيته يقال أرجيت الشيء ورجيته أي أخرته؛ وقد يتكلم به مهموزًا وغير مهموز وليس هذا من باب الطعام الحاضر ولكنه من باب السلف وذلك مثل أن يشتري منه طعامًا بدينار إلى أجل فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين وهو غير جائز لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام مؤجل غائب غير حاضر وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب على معناه لأن المسلف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه وأخذ منه ذهبا فإن البيع لا يصح فيه إذ كان الطعام الذي باعه منه مرجى مضمونًا على غيره وإنما تقايل الذهبان في التقدير فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان قد أسلفه في الطعام بدينارين وهو فاسد من وجهين أحدهما لأنه دينار بدينارين والآخر لأنه ناجز بغائب في بيع سبيله سبيل المصارفة.

.ومن باب الرجل يقول عند البيع لا خلابة:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر «أن رجلًا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا خلابة».
قال الشيخ الخلابة مصدر خلبت الرجل إذا خدعته واخلُبه خلبا وخِلابة قال الشاعر:
شر الرجال الخالب المخلوب

ويستدل بهذا الحديث من يرى أن الكبير لا يحجر عليه إذ لو كان إلى الحجر عليه سبيل لحجر عليه ولأمر أن لا يبايع ولم يقتصر على قوله: «لا خلابة».
قال الشيخ والحجر على الكبير إذا كان سفيها مفسدًا لماله واجب كهو على الصغير، وهذا الحديث إنما جاء في قصة حبان بن منقذ ولم يذكر صفة سفه ولا إتلافا لماله وإنما جاء أنه كان يخدع في البيع وليس كل من غبن في شيء يجب أن يحجر عليه وللحجر حد فإذا لم يبلغ ذلك الحد لم يستحق الحجر.
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب بعضهم إلى أنه خاص في أمرحبان بن منقذ وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا القول شرطًا له في بيوعه ليكون له الرد به إذا تبين الغبن في صفقته فكان سبيله سبيل من باع أو اشترى على شرط الخيار، وقال غيره الخبر على عمومه في حبان وغيره.
وقال مالك بن أنس في بيع المغابنة إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة كان له فيه الخيار.
وقال أحمد في بيع المسترسل يكره غابنه وعلى صاحب السلعة أن يستقصي له وقد حكي عنه أنه قال إذا بايعه وقال لا خلابة فله الرد، وقال أبو ثور البيع إذا غبن فيه أحد المتبايعين غبنًا لا يتغابن الناس فيما بينهم بمثله فاسد كان المتبايعان خابري الأمر أو محجورًا عليهما.
وقال أكثر الفقهاء إذا تصادر المبايعان عن رضا وكانا عاقلين غير محجورين فغبن أحدهما فلا يرجع فيه.

.ومن باب في العُربان:

قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان» قال مالك وذلك فيما نرى والله أعلم، أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة ثم يقول أعطيك دينارًا على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك.
قال الشيخ هكذا تفسير بيع العربان وفيه لغتان عربان وأربان ويقال أيضًا عربون وأربون.
وقد اختلف الناس في جواز هذا البيع فأبطله مالك والشافعي للخبر ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ويدخل ذلك في أكل المال بالباطل وأبطله أصحاب الرأي.
وقد روي عن ابن عمر أنه أجاز هذا البيع ويروي ذلك أيضًا عن عمر.
ومال أحمد بن حنبل إلى القول بإجازته وقال أي شيء أقدر أن أقول وهذا عمر رضي الله عنه، يَعني أنه أجازه وضعف الحديث فيه لأنه منقطع وكأن رواية مالك فيه عن بلاغ.

.ومن باب الرجل يبيع ما ليس عنده:

قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عَن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام قال: «يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي أفأبتاعه له من السوق قال لا تبع ما ليس عندك».
قوله: «لا تبع ما ليس عندك» يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق أو جمله الشارد ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه مثل أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك لأنه يبيع ما ليس عنده ولا في ملكه وهو غرر لأنه لا يدري هل يجيزه صاحبه أم لا والله أعلم.

.ومن باب شرط في بيع:

قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب، قال: حَدَّثنا إسماعيل عن أيوب قال: حدثني عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم تضمن ولا تبع ما ليس عندك».
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد عن زكريا عن عامر عن جابر، «قال بعته، يَعني بعيرًا من النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطت حملانه إلى أهلي قال في آخره تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك خذ جملك وثمنه فهما لك».
قال الشيخ أما الحديث وقوله لا يحل سلف وبيع فهو من نوع ما تقدم بيانه فيما مضى عن نهيه عن بيعتين في بيعة وذلك مثل أن يقول له أبيعك هذا العبد بخمسين دينارا على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل أو يقول أبيعكه بكذا على أن تقرضي ألف درهم، ويكون معنى السلف القرض وذلك فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن فيدخل الثمن في حد الجهالة ولأن كل قرض جَرَّ منفعة فهو ربا.
وأما ربح ما لم يضمن فهو أن يبيعه سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها فهي من ضمان البائع الأول ليس من ضمانه فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه فيكون من ضمانه.
وقوله: «لا تبع ما ليس عندك» فقد فسرناه قبل.
وأما قوله: «ولا شرطان في بيع» فإنه بمنزلة بيعتين وهو أن يقول بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار ونسيئة بدينارين فهذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود منه باختلافهما وهو الثمن، ويدخله الغرر والجهالة ولا فرق في مثل هذا بين شرط واحد وبين شرطين أو شروط ذات عدد في مذاهب أكثر العلماء.
وفرق أحمد بن حنبل بين شرط واحد وبين شرطين اثنين فقال إذا اشترى منه ثوبًا واشترط قصارته صح البيع فإن شرط عليه مع القصارة الخياطة فسد البيع، قال الشيخ ولا فرق بين أن يشترط عليه شيئا واحدًا أو شيئين لأن العلة في ذلك كله واحدة وذلك لأنه إذا قال بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصره لي فإن العشرة التي هي الثمن تنقسم على الثوب وعلى أجرة القصارة فلا يدري حينئذ كم حصة الثوب من حصة الإجارة وإذا صار الثمن مجهولًا بطل البيع. وكذلك هذا في الشرطين وأكثر. وكل عقد جمع تجارة وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل وفي معناه أن تبتاع منه قفيز حنطة بعشرة دراهم على أن يطحنه. أو أن تشتري منه حمل حطب على أن ينقله إلى منزله وما أشبه ذلك مما يجمع بيعا وإجارة.
والشروط على ضروب فمنها ما يناقض البيوع ويفسدها ومنها ما لا يلائمها ولا يفسدها، وقد روي المسلمون عند شروطهم وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». فعلم أن بعض الشروط يصح وبعضها يبطل، وقال صلى الله عليه وسلم: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع». فهذه الشروط قد أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقد البيع ولم يرد العقد يفسد بها فعلمت أن ليس كل شرط مبطلًا للبيع.
وجماع هذا الباب أن ينظر فكل شرط كان من مصلحة العقد أو من مقتضاه فهو جائز مثل أن يبيعه على أن يرهنه داره أو يقيم له كفيلًا بالثمن فهذا من مصلحة العقد والشرط فيه جائز. وأما مقتضاه فهو مثل أن يبيعه عبدًا على أن يحسن إليه وأن لا يكلفه من العمل ما لا يطيقه وما أشبه ذلك من الأمور التي يجب عليه أن يفعلها، وكذلك لو قال له بعتك هذه الدار على أن تسكنها أو تسكنها من شئت وتكريها وتتصرف فيها بيعًا وهبة وما أشبه ذلك مما له أن يفعله في ملكه فهذا شرط لا يقدح في العقد لأن وجوده ذكرًا له وعدمه سكوتًا عنه في الحكم سواء.
وأما ما يفسد البيع من الشروط فهو كل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة أو يوقع في العقد أو في تسليم المبيع غررًا أو يمنع المشتري من اقتضاء حق الملك من المبيع.
فأما ما يدخل الثمن في حد الجهالة فهو أن يشتري منه سلعة ويشترط عليه نقلها إلى بيته أو ثوبًا ويشترط عليه خياطته في نحو ذلك من الأمور، وكذلك إذا باعه عبدا على أن لا خسارة عليه، وأما ما يجلب الغرر مثل أن يبيعه داره بألف درهم ويشترط فيه رضاء الجيران أو رضاء زيد أو عمرو أو يبيعه دابة على أن يسلمها إليه بالري أو بأصبهان فهذا غرر لا يدري هل يسلم الحيوان إلى وقت التسليم وهل يرضى الجيران أم لا أو المكان الذي شرط تسليمه فيه أو لا، وأما منع المشتري من مقتضى العقد فهو أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها أو لا يستخدمها أو لا يطأها ونحو ذلك من الأمور فهذه شروط تفسد البيع لأن العقد يقتضي التمليك وإطلاق التصرف في الرقبة والمنفعة وهذه الشروط تقتضي الحجر الذي هو مناقض لموجب الملك فصار كأنه لم يبعه منه أو لم يملكه إياه. وأما حديث جابر وقوله واشترطت حملانه إلى أهلي فسنقول في تخرجه والتوفيق بينه وبين الحديث الأول ما يزول معه الخلاف على معاني ما قلناه إن شاء الله وذلك أنه قد اختلف الرواية فيه فروى شعبة بن المغيرة عن الشعبي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاره ظهر الجمل إلى المدينة.
وحدثنيه إبراهيم بن عبيد الله القصار، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: حَدَّثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: حَدَّثنا يحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قال: حَدَّثنا شعبة عن المغيرة عن الشعبي عن جابر قال: «بعت النبي صلى الله عليه وسلم جملًا فأفقرني ظهره إلى المدينة».
قال الشيخ الإفقار إنما هو في كلام العرب إعارة الظهر للركوب فدل هذا على أنه لم يكن عقد شرط في نفس البيع وقد يحتمل أن يكون ذلك عدة منه أي وعده له بالركوب والعقد إذا تجرد عن الشروط لم يضره ما يعقبه بعد ذلك من هذه الأمور، ويشبه أن يكون إنما رواه من رواه بلفظ الشرط لأنه إذا وعده الإفقار والإعارة كان ذلك منه أمرًا لا يشك الوفاء فيه فحل محل الشروط المذكورة والأمور الواجبة التي لا خلف فيها فعبر عنه بالشرط على هذا المعنى. على أن قصة جابر إذا تأملتها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستوف فيها أحكام البيوع من القبض والتسليم وغيرهما، وإنما أراد أن ينفعه ويهب له فاتخذ بيع الجمل ذريعة إلى ذلك ومن أجل ذلك جرى الأمر فيها على المساهلة ألا ترى أنه قد دفع إليه الثمن الذي سماه ورد إليه الجمل يدل على صحة ذلك؛ قوله: «أتراني إنما ماكستك لأخذ جملك».
وقد اختلف الناس فيمن اشترى دابة فاشترط فيها حملانًا للبائع، فقال أصحاب الرأي البيع باطل، وإليه ذهب الشافعي، وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه البيع جائز والشرط ثابت على ظاهر حديث جابر بن عبد الله.
وفرق مالك بن أنس بين المكان القريب والبعيد فقال إن اشترط مكانًا قريبا فهو جائز وإن كان بعيدًا فهو مكروه، وكذلك قال فيمن باع دارًا على أن له سكناها مدة، فقال إن كان ذلك نحو الشهر والشهرين جاز، وإن كان المدة الطويلة لم يجز.
قال الشيخ وقد بقي في هذا الباب قسم ثالث من الشروط وهو بيع الرقبة بشرط العتق، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال إبراهيم النخعي كل شرط في بيع فإن البيع يهدمه إلا أن يكون عتاقة، وإلى هذا ذهب الشافعي في أظهر قوليه وهو مذهبه الجديد فقال إذا باع الرجل النسمة واشترط على المشتري عتقها أن البيع جائز والشرط ثابت، وقال في القديم البيع جائز والشرط باطل وهو مذهب ابن أبي ليلى وأبي ثور، وقال أبو حنيفة وأصحابه البيع فاسد، غير أنهم قالوا إن أعتقه جاز ولزمه الثمن في قول أبي حنيفة دون القيمة، وقال صاحباه يلزمه القيمة وهذا أقيس.
قال الشيخ وإنما فرق بين العتق وبين غيره من الشروط الخصوصية بالعتق من الغلبة في الأصول والسراية في ملك الغير، ألا ترى أن ملك المالك يمتنع على غيره من التصرف فيه ثم لا يمتنع من التصرف في العتق وهو إذا كان بينه وبين آخر عبد فأعتق نصيبه منه عتق نصيب شريكه عليه، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يبيع الرجل ملكه من ملكه ثم جازت الكتابة لما تضمنه من العتق. فإذا كانت أحكامه تجري على التخصيص لم ينكر أن تجري شروطه على التخصيص كذلك، وحديث النهي عن بيع شرط عام وخبر العتق خاص والعام ينبئ على الخاص ويخرج عليه والله أعلم.
وحدثني محمد بن هاشم بن هشام، قال: حَدَّثنا عبد الله بن فيروز الديلمي، قال: حَدَّثنا محمد بن سليم الذهلي، قال: حَدَّثنا عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا فقال البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت يا سبحان الله ثلاثة من الفقهاء فقهاء العراق اختلفوا علي في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل. وأتيت ابن أبي ليلى وأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها وقال يعنى اشترطي الولاء لأهلها البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت النبي صلى الله عليه وسلم ناقة أو جملًا وشرط لي حملانًا إلى المدينة البيع جائز والشرط جائز».
قال الشيخ هذه الأحاديث كلها متفقة على معاني ما قدمنا من البيان في ترتيب الشرائط ولخصناه من وجوهها في مواضعها.
فأما حديث بريرة فسنتكلم عليه في موضعه من كتاب العتق فإن ذلك المكان أملك به وروايته من طريق ابن أبي ليلى هاهنا مختلفة وألفاظه منتجة وقد ذكره أبو داود على وجهه في كتاب العتق وسنبين معناه هناك ونوضحه إن شاء الله.